هدا الموقع في إطـــــــار الإنجـــــازندعو الكل للمساهمة في إثراء هدا الموقع بمراسلتنا على العنوان mohamed.oumeddi@gmail.com أو على الهاتف 0793145422المعلومات التي في هدا الموقع قد تكون غير كاملة و غير نهائية
You are currently viewing الدكتور عبد الله عقون
Dr abdallah Aggoune

الدكتور عبد الله عقون

طفولته ونشأته العائلية

وُلد عبد الله عقون في أكتوبر 1953 بولاية بجاية، في قرية صغيرة تُسمّى أمضان تابعة لبلدية وادي غير. هو أصغر إخوة خمسة (أربعة ذكور وبنت واحدة). والده، أحمد، استشهد في ميدان الشرف خلال حرب التحرير الوطنية.

في أمضان، كانت عائلة عقون تُشكل ما يشبه العشيرة. القرية كانت بسيطة جدًا: تهيمن عليها تلة صغيرة، فيها مسجد صغير يُستقبل فيه المسافرون، طرق ترابية غير معبدة، وفي آخرها بيت العائلة. كانوا يعيشون من الأرض، يزرعونها ويعتاشون منها. كانت لهم معصرة زيتون عائلية، وثوران سمّاهما عبد الله “غريزو” و”نيغرو”، بالإضافة إلى بغل وكلب.

عام 1958، صُنفت القرية كـ”منطقة محرمة” بفعل الاستعمار الفرنسي. اضطرت عائلة عبد الله إلى مغادرة موطنها، خصوصًا أن شقيقه الأكبر سعيد كان معروفًا بنشاطه في صفوف جبهة التحرير الوطني. استقبلهم أحد الأقارب في بجاية، وهناك اكتشف عبد الله مدينة “بوجي”، بعدما كان يظن أن العالم كله يتوقف عند حدود وادي غير. يبتسم وهو يتذكر:

“لم أكن أتصور أن هناك أماكن أخرى خارج قريتنا. لم أكن أعلم بوجود الولايات المتحدة الأمريكية مثلًا.”

كان عبد الله طفلًا مشاكسًا، كما يروي أقاربه. في سن صغيرة، نجح في إقناع رقيب فرنسي بالسماح له بقضاء ثلاث ليالٍ مع شقيقه سعيد المسجون في سجن القصر. وبعد الاستقلال، خرج سعيد من السجن وجمع شمل العائلة، ليعيدها إلى وادي غير حيث أصبح مسؤولًا عن تسيير شؤون البلدية. يتذكر عبد الله تلك اللحظة قائلًا:

“الاستقلال كان أجمل لحظة في حياتي، شعور لا يوصف.”

عام 1964، انتقلت العائلة إلى الجزائر العاصمة. هناك أكمل عبد الله دراسته الابتدائية. كان شقيقه سعيد قد بدأ عملًا جديدًا كموظف بسيط في البنك الشعبي والتجاري الجزائري (BPCA)، الذي أصبح لاحقًا بنك CPA، قبل أن يُصبح مديرًا فيه.

سكنت العائلة في الجزائر الوسطى بشارع “رَضا حُوحو” (كلوزيل سابقًا). كان عبد الله متمردًا مثل كثير من أبناء الشهداء وأبناء الثورة. يروي حادثة تعبّر عن طباعه:

“كنت أسير مع أمي في شارع ديدوش مراد. كنت حينها لا أتحدث سوى القبائلية، لغتي الأم. أمي كانت تكرر عليّ أنه ممنوع التحدث بالقبائلية علنًا في الجزائر العاصمة. فقررت أن أصرخ بأعلى صوتي طوال الطريق حتى ساحة موريس أودان: أنا قبائلي! أنا قبائلي! (وكان ذلك في زمن بن بلة

البداية والتعريف بشخصية الدكتور عقون

اسمه عبد الله عقون. يبلغ من العمر 64 عامًا، وهو طبيب من ولاية بجاية. في عام 1981، افتتح عيادته في بوقارة، شرق البليدة، إحدى بؤر الإرهاب في الجزائر، رغم أنه كان معروفًا هناك كديمقراطي وعلماني. خلال العشرية السوداء، واجه الإرهاب ورفض التخلي عن السكان. بعد ثلاثة عقود، اتجه إلى السينما لينسى مآسي الحرب التي كان شاهدًا عليها، فأصبح ممثلًا ثم مخرجًا. التقيناه في الجزائر العاصمة، حيث قبل الدكتور عقون أن يفتح قلبه لقراء الوطن ويكاند.

بوقارة، المدينة الواقعة شرق البليدة، والتي وصفها الرجل الثاني في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، علي بلحاج، بأنها ستكون “عاصمة الجزائر الإسلامية” خلال العشرية السوداء، هي أيضًا المنطقة التي خرج منها إرهابيان شهيران: عبد القادر شبوتي ومنصوري ملياني. الأول أسس “الحركة الإسلامية المسلحة” سنة 1991، وهي امتداد للحركة الإسلامية الجزائرية التي أسسها مصطفى بويعلي. أما الثاني فكان أحد مؤسسي “الجماعة الإسلامية المسلحة” وأحد رجال بويعلي الأقوياء في الثمانينيات. لكن بوقارة لم تكن معروفة فقط بالإرهابيين، بل أيضًا بأشخاص مثل الدكتور عبد الله عقون الذي واجه المشروع الإسلامي بطريقته الخاصة.

حين كان السكان يفرون من بوقارة التي سقطت تحت سيطرة الإرهابيين، اختار الدكتور عقون، ابن بجاية الذي جاء إلى هذه المنطقة بالصدفة، أن يبقى ليقدم المساعدة للسكان، “خصوصًا الفقراء الذين لم يكن لهم مكان يذهبون إليه”، كما يتذكر بمرارة. معروفًا بصداقته وانفتاحه، جاب البليدة وحتى قرى المدية النائية. هذا الطبيب الديمقراطي والعلماني الذي أسس عيادته في المنطقة منذ 1981، لا يزال موجودًا هناك.

بعد نحو ثلاثة عقود، ومن أجل الخروج من صخب الذكريات الثقيلة التي تطارده، حاول الدخول إلى عالم السينما بمساعدة شقيقه المخرج شريف عقون، الذي أدخله إلى عالم الفن السابع. بدأ مساره عام 2006 بعرض فردي يسرد فيه قصص مرضاه في بوقارة. واليوم، لم يعد مجرد طبيب، بل أصبح أيضًا ممثلًا ومخرجًا، ويحضّر كتابًا عن قصته وقصة هذه المنطقة التي يصفها بالكثير من الحب.

دراسته الجامعية وبداية مسيرته الطبية

نال عبد الله شهادة البكالوريا سنة 1973. كان شقيقه الأكبر سعيد يريده أن يدرس الطب، فاستجاب له رغم أنه كان يرغب في تخصص آخر. يقول مبتسمًا:

“قبلت بدراسة الطب من أجل أختي التي عانت كثيرًا من مرض في طفولتها. في ذلك الوقت، كنت أملك منحة للدراسة في الولايات المتحدة أو بلدان غربية أخرى، لكنني اخترت البقاء في الجزائر، دون أن أعرف السبب الحقيقي!”

كان عبد الله عاشقًا للمرح والسهر. يصف أيام الجامعة بأنها من أجمل محطات حياته. كان الطلبة يتلقون منحة شهرية قدرها 300 دينار، بينما كان الأساتذة يتقاضون حوالي 450 دينارًا، وهو مبلغ معتبر آنذاك. لكنه رغم ذلك كان يقتسم ما يملك مع أمه وعائلته.

لتمويل مغامراته، أعاد إحياء فكرة “حفلات الكلية”. نظّم سهرات في الجامعة، ودعا إليها فرقة الروك الشهيرة T34 (التي كان أعضاؤها يقيمون في الغرفة رقم 34 في حي بن عكنون الجامعي). يقول:

“وضعت ثمن الدخول 5 دنانير، وكان يتضمن مشروبًا غازيًا وقطعة حلوى. جلبت فرقة T34 التي لم تكن معروفة كثيرًا وقتها. أقنعت العميد، واستعنت بأصدقاء من حينا لتأمين النظام. القاعة كانت ممتلئة حتى لم يجد الناس مكانًا للجلوس!”

كما أقنع بعض الطلبة “المترفين” في ذلك الزمن بالمشاركة في حملات التلقيح والتوعية الصحية عبر كامل التراب الوطني. ولتغطية تكاليف سفره إلى الخارج، كان يمارس القليل من “الترابندو” (التجارة الموازية)، خصوصًا في باريس.

أنهى دراسته الطبية سنة 1979. ورغم أنه كان قادرًا على التخصص أو الاستقرار في فرنسا، قرر أن يبقى في الجزائر. في أواخر 1981، افتتح عيادته الخاصة في بوقارة. وهناك التقى بزوجته المستقبلية، التي أنجبت له طفلين. يعلق مبتسمًا:

“كان الأمر صدفة بحتة، فقد كنت أنوي فتح عيادتي في أولاد فايت، لكن انتهى بي المطاف في بوقارة.”

في تلك الفترة، كانت بوقارة مكانًا هادئًا وجميلًا. يصفها عبد الله قائلًا:

“كانت هناك كنيسة صغيرة، كشك، ومحطتان للوقود. الناس عاشوا في انسجام تام. كنت من أصغر الأطباء الذين جاؤوا إلى المنطقة، وسرعان ما أصبحت محبوبًا من أهلها.”

اختار أن يفتح عيادته في حي حديث البناء كان يُسمى ساخرًا دالاس” على اسم المسلسل الأمريكي الشهير، بسبب نمط حياة السكان العصري. يقول:

“في ذلك الحي، كانت النساء ترتدين التنانير القصيرة، يقدن السيارات، ويتجولن بحرية. لم تكن هناك امرأة محجبة واحدة. كانت فترة مختلفة تمامًا عن اليوم. كنا نظن أننا قادرون على تغيير المنطقة نحو الأفضل، لكن في النهاية، الإرهاب هو الذي غيّرنا نحن.”

مارس عبد الله ما يُسمى بـ”الطب الاجتماعي”. كان يجري فحوصات مجانية، ويقبل الحد الأدنى من الأجر الذي يكفيه للعيش بكرامة. اشترى سيارة كبيرة للتنقل بين القرى الجبلية والوصول إلى مناطق نائية في البليدة وحتى المدية. كان محبوبًا ومحترمًا بشدة من سكان المنطقة.

: سنوات العشرية السوداء ومواجهته للإرهاب

مع اقتراب أحداث 5 أكتوبر 1988, كانت الجزائر العاصمة تشتعل بالمظاهرات، بينما بدت بوقارة بعيدة عن الصراع. لكن عبد الله أدرك خطورة الموقف حين تعرّض لعملية سطو في “تيقصراين” مباشرة بعد الأحداث.

كانت المنطقة معروفة بنشاط جماعة بويعلي، التي كان لها احترام وشعبية كبيرة هناك. يوضح عبد الله:

“بدأ الإسلاميون يظهرون في بليدة منذ 1985. هاجموا مركز شرطة في “الصومعة”، وقتلوا شرطيًا وسرقوا الأسلحة. معظم مساعدي بويعلي كانوا من المنطقة، مثل شبوتي وملياني.”

رغم كل ذلك، لم يشعر عبد الله يومًا بالخوف المباشر، لأنه كان معروفًا كـ”طبيب الفقراء”. لكن مع بداية التسعينيات، تغيّر الوضع. الجبهة الإسلامية للإنقاذ (FIS) اكتسبت نفوذًا كبيرًا في بوقارة، وبدأت المدينة تتغير بشكل جذري. حتى ممرضة عبد الله، التي كانت تقدّمية، صوّتت لصالح الجبهة، مما شكل له صدمة.

تفاقم الوضع مع اغتيال صديقه المقرّب ورفيق الصيد “الطيب”، الذي قُتل مع ابنه سنة 1993 على يد الإرهابيين فقط لأنه كان يرفض الفكر المتطرف. يقول عبد الله:

“كنت أعود يوميًا إلى الجزائر العاصمة في وقت متأخر من الليل، رغم نصائح الجميع بمغادرة المنطقة. رفضت أن أبدو ضعيفًا. تم توقيفي عدة مرات من طرف الإرهابيين، لكنهم كانوا دائمًا يتركونني. كنت أقول لهم: لقد ختنت الكثير منكم، وإذا قتلتموني فمن سيعالج سكان بوقارة؟”

مرّ بعدة مواقف خطيرة:

  • كاد يُقتل عند حاجز مزيف بعد حادثة اختطاف طائرة الخطوط الجوية الجزائرية سنة 1994، لكن نجا لأنهم كانوا يبحثون عن ركاب الطائرة، بينما كانت ابنته هي المسافرة وليست هو.
  • دخل أربعة مسلحين من الجيا عيادته لإجراء فحص بالأشعة. تظاهر بأن الجهاز معطل، حتى لا يخدمهم. بعد مغادرتهم، دمّر الجهاز حتى لا يُكتشف أمره.

رفض عبد الله ترك سكان بوقارة للفقر والإرهاب، يقول:

“أنا لست جبانًا. نعم، كنت خائفًا مثل الجميع، لكن الشجاعة هي القدرة على السيطرة على الخوف. الطبيب مثل الجندي، لا يتراجع أبدًا.”

الجزء الخامس: الانتقال إلى عالم السينما والمسرح

بعد عودة الهدوء، قرر عبد الله أن يفتح صفحة جديدة. التحق بمنظمة أطباء بلا حدود – بلجيكا، لكنه لم ينجُ من ذكريات الحرب. بمساعدة شقيقه المخرج شريف عقون، قرر أن يحوّل تجاربه إلى فن.

في 2006، قدّم عرضه الأول بعنوان لكل واحد دواؤه”، حيث جسّد على المسرح قصصًا حقيقية من مرضاه في بوقارة:

  • رجل قبائلي متشدد يرفض أن يعالج الطبيب زوجته.
  • فتاة تحاول الحصول على شهادة عذرية رغم أنها لم تكن عذراء.
  • شاب قوي يأتي باستمرار طالبًا أدوية مهدئة.

العرض لاقى نجاحًا كبيرًا حتى خارج الجزائر، مما شجعه على كتابة سيناريوهات. ساهم في عدة أفلام مثل:

  • فيلم عن فاطمة نسومر للمخرج بلقاسم حجاج.
  • فيلم عن حياة المسرحي عز الدين مجوبي الذي اغتيل سنة 1995.
  • أعمال تلفزيونية عن عبد الحميد بن باديس وغيرهم.

يقول:

“السينما سمحت لي أن أتحرر من الماضي. الطب كان دورًا فُرض عليّ، بينما التمثيل هو حلمي الحقيقي.”

: فلسفته في الحياة وحصيلته الشخصية

اليوم، وقد بلغ 64 عامًا وصار جدًّا، ينظر عبد الله إلى حياته برضا كبير:

“لديّ فلسفة واحدة في الحياة. ليس لها علاقة بالدين، بل بالقناعة بأن قدري مرسوم، وأنا فخور وسعيد بما وصلت إليه. كان يمكن أن أكون غنيًا، لكنني اخترت أن أكون نفسي.”

ويضيف مبتسمًا:

“كنت أحلم بالمسرح والسينما منذ شبابي. لم أحقق ذلك وقتها، لكنني أعيشه الآن. لدي ابنان مقربان مني جدًا، وعدة بنات أخ محبات لي، وابن أخ واحد يحبني كثيرًا. هذا هو أعظم سعادة. الباقي مجرد تفاصيل

الدكتور عقون : الطبيب و الفنان و المناضل

الدكتور عقون : الكــاتب " مإزر أبيض و منطقة سوداء

الدكتور عقون و العشرية السوداء